أخبار عاجلة
إيقاف تراخيص البناء السارية في بورسعيد -
تعيين نشوى طلعت مستشارًا للسياحة المستدامة -

الشيخ نجم الدين الحفنى.. ذاق حلاوة الغِنى بعد شظف العيش

الشيخ نجم الدين الحفنى.. ذاق حلاوة الغِنى بعد شظف العيش
الشيخ نجم الدين الحفنى.. ذاق حلاوة الغِنى بعد شظف العيش

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الشيخ نجم الدين الحفنى.. ذاق حلاوة الغِنى بعد شظف العيش, اليوم السبت 28 مارس 2020 01:08 مساءً

الإمام الشيخ نجم الدين أبو المكارم محمد بن سالم بن أحمد الحفني الشافعي الخلوتي هو ثامن شيوخ الأزهر فى الفترة (1757 - 1767م).
وُلد الشيخ الحفني بقرية "حفنا" ببلبيس بمحافظة الشرقية سنة 1688م ونشأ بها ونُسب إليها. ينتهي نسبه إلى الحُسين بن علي من جهة جدته لأبيه السيدة ترك بنت السيد سالم بن محمد. نشأ بقريته وحفظ بها القرآن الكريم حتى سورة الشعراء، وأشار الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي على أبيه بإرساله إلى الأزهر فاقتنع الأب بذلك وأرسله إلى الأزهر وهو في الرابعة عشرة من عمره، فأتم فيه حفظ القرآن، وحفظ ألفية ابن مالك في النحو، والسلم في المنطق، والجوهرة في التوحيد، والرحبية في الفرائض. كما تبحر في علوم النحو والفقه والمنطق والحديث والأصول وعلم الكلام، كما برع في العروض وأتقن نظم الشعر بالفصحى والعامية، كما برع في كتابة النثر طبقاً لأسلوب عصره.
من أشهر مشايخ الحفني كل من الشيخ محمد البديري الدمياطي (الشهير بابن الميت) والشيخ عبد الله الشبراوي (أحد شيوخ الأزهر) وأحمد الجوهري.
اضطلع الحفني بعد حصوله على الإجازة بالتدريس في مدرسة السنانية والوراقين، ثم في المدرسة "الطيبرسية" التي أنشأها الأمير "علاء الدين طيبرس الخازندار" سنة 1297م.
كان للشيخ الحفني طلاب يفدون عليه من كل جانب، فقد جلس الشيخ للتدريس وهو صغير السن، وشهد له علماء عصره بالتقدم والرسوخ. وقد درَّس لطلبته المصادر العميقة كالأشموني في النحو والصرف، وجمع الجوامع في أصول الفقه للسبكي، كل ذلك ولم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره.
كان كريم الطبع، جميل السجايا، مهيب الجانب، متواضعاً، له صدقات ظاهرة وخفية، وأقبلت عليه الدنيا بخيرها، وذاق حلاوة الغنى بعد شظف العيش، وضيق حال، فلم تبطره الثروة، وبذلها لمن يريدها، وكان آية في المروءة والسخاء. قال عنه الجبرتي في عجائب الآثار: (كان كريم الطبع جداً، وليس للدنيا عنده قدر ولا قيمة، جميل السجايا مُهاب الشكل عظيم اللحية أبيضها، كأن على وجهه قنديلا من النور. وكان له جلالة ومهابة، وكان في الحلم على جانب عظيم، ومن مكارم أخلاقه إصغاؤه لكلام كل متكلم ولو من الخزعبلات مع انبساطه إليه وإظهار المحبة ولو أطال عليه، ومن رآه مدعياً شيئاً سلّم له في دعواه، ومن مكارم أخلاقه أنه لو سأله إنسان أعز حاجة عليه أعطاها له كائنة ما كانت، ويجد لذلك أنساً وانشراحاً، ولا يعلق أمله بشى من الدنيا، وله صدقات وصلات خفية وظاهرة، وكان راتب بيته من الخبز في كل يوم نحو الإردب، والطاحونة دائمة الدوران، وكذلك عمل البن وشربات السكر، ولا ينقطع ورود الواردين ليلاً ونهاراً، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون، ويصرف على بيوت أتباعه والمنتسبين إليه، وكان رزقه فيضاً إلهياً). كما شهد له معاصروه بالتقدم في العلوم، وزاده كرمه مكانة في النفوس ومحبة في القلوب. وكان في ذلك الوقت في شدة من ضيق العيش، فعمل مدّة في نسخ الكتب ليتمكن من إعاشة نفسه، وفى ذلك الوقت نزعت نفسه لسلوك طريق أهل الله، فكان يذهب إلى زاوية الشيخ "شاهين الخلوتى" بسفح جبل المقطم ويمكث فيها الليالى مُختليا بربه مقبلاً بكليته عليه. ثم جاء الفرج، وفتح الله عليه أبواب الرزق. ثم فرَّج الله كربه، وأقبلت عليه الدنيا، فترك النسخ إلى التعليم والتأليف، ولم يذله الفقر رغم ما كان فيه من ضيق اليد، وكان أديباً شاعراً وناثراً، له مقطوعات شعرية وأزجال، ورسائل نثرية، غير أن شهرته العلمية طغت على شهرته الأدبية.
ومن مكارم أخلاق التى لخصها الجبرتى فقال: تلقى الشيخ الحفنى الطريقة الخلوتية على شيخها العلاّمة "السيد مصطفى البكرى" قدوة السالكين ومربى المريدين، وذلك عند قدومه لمصر سنة 1721م قادماً من الشام، ويصف الجبرتى هذا اللقاء بين الشيخ والمريد فيقول: (فسلّم عليه وجلس، فجعل "السيد البكرى" ينظر إليه وهو كذلك ينظر إليه، فحصل بينهما الارتباط القلبى، ثم قام وجلس بين يدى السيد بعد الاستئذان، وكانت عادته إذا أتاه مريد أمره أولا بالاستخارة، إلا هو، فلم يأمره بها، وذلك إشارة إلى كمال الارتباط، فأخذ عليه العهد حالاً، ثم اشتغل بالذكر والمجاهدة). وقد تملكت منه محبة الشيخ، ودائما تكون رتبة المريد على قدر محبته لشيخه وتوقيره له، وقد بلغ الشيخ الحفنى في ذلك شأوًا عظيماً، هو الذى بلغ به ما بلغ. من أمثلة تأدبه مع الشيخ وحُسن طاعته أنه كان لا يتكلم في مجلسه قط، إلا إذا سأله، فيجيبه على قدر السؤال على الرغم مما كان له من مكانة عالية بين الناس. ولم يزل كذلك حتى أذن له شيخه بالتكلم في مجلسه في بعض رحلاته إلى القاهرة.
وفى مرة قيل له: تعال الليلة مع الجماعة واذكروا عندنا في البيت. فلما دخل الليل اشتد البرد وأمطرت السماء مطراً شديداً، فلم يتخلف، وذهب حافياً والمطر ينسكب عليه وهو يخوض في الوحل!! فقال له الشيخ: كيف جئت في هذه الحالة؟ قال: يا سيدى أمرتمونا بالمجيء ولم تُقيِّدوه بعذر. فقيل له: أحسنت، هذا أول قدم في الكمال. فقدَّمه الشيخ على خُلفائه، وأولاه مزيد رعايته، ودعاه بالأخ الصادق، ومنحه أسراراً وفهوماً وأنواراً، وأذن له في التلقين وأخذ العهد.
كان هو بمصر، وشيخه بالشام، وكانت أشواقه للشيخ في ازدياد مستمر، حتى وصفه الجبرتى: (بأن انشغاله بالعلم كان بجسمه فقط، أما قلبه فكان عند شيخه) ولم يزل كذلك إلى عام 1149هـ فحنَّ جسمه إلى زيارة شيخه فقال مخاطبا له شعراً: (أخذتم فؤادى وهو بعضى فما الذى يضركم لو كان عندكم الكُلُّ).
تولى الشيخ الحفني مشيخة الجامع الأزهر بعد وفاة الشيخ الشبراوي وظل في منصب المشيخة مدة عشر سنوات، استطاع فيها وضع الأزهر في معيار لا يتزحزح من الناحية العلمية والفقهية والعقدية.
كانت وفاة الشيخ الحفني حادثة هزت أرجاء مصر كلها ، وذلك لأنها جاءت نتيجة الاغتيال، ويصف الجبرتي أثر حادث الوفاة قائلاً: جاء اغتيال الحفني كون أنه لا يتـم أمـر مـن أمـور الدولـة وغيرهـا إلا باطلاعـه وإذنه، ولما شرع الأمراء القائمون بمصر في إخراج التجاريـد لـ "علـي بـك" و"صالـح بـك" في الصعيد أثناء حركة "علي بك" الاستقلالية، واستأذنـوه فمنعهـم مـن ذلـك وزجرهـم ولم يأذن بذلك وعلموا أنه لا يتم قصدهم بدون ذلك فأشغلوا الأستاذ وسموه، وتم هذا في ظهر يوم السبت الموافق 23 أغسطس عام 1767م، عن عمر يناهز الثمانين عاماً ودُفن في اليوم التالي بعد الصلاة عليه في الجامع الأزهر في مشهد حافل وحالياً هو مدفون في منطقة منشية ناصر.