أخبار عاجلة
"الداخلية" ترصد مخططا إخوانيا لنشر الشائعات -
صادم.. هل ينتقل كورونا من الأم للرضيع؟ -

الهند تصارع للخروج من تباطؤ النمو الاقتصادي .. تهالك البنية التحتية يعصف بالنمو

8377b0a1dc.jpg

هشام محمود من لندن

عندما وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يخطب في عشرات الآلاف من الأشخاص في استاد لرياضة الكريكت في مدينة أحمد آباد في ولاية جوجارات الهندية، لم يشد فقط برئيس الوزراء نارايندرا مودي وسياساته، التي ساهمت في تطوير الوضع الاقتصادي في البلاد، ولكنه قال "منذ نهاية القرن الماضي، نما حجم الاقتصاد الهندي أكثر من ستة أضعاف".
تلك الإشادة من ترمب عكست واقعا حقيقيا، فبلغة الأرقام بلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند 477 مليار دولار في 2000، ووفقا لصندوق النقد الدولي ارتفع هذا الرقم 2019 إلى نحو 3 تريليونات دولار، أي أن الاقتصاد الهندي خلال الفترة من 2019 إلى 2000 زاد بمقدار 6.2 مرة.
تلك الأرقام جعلت صندوق النقد الدولي يضع الاقتصاد الهندي في الترتيب الخامس عالميا، ويجعل من تجربة النمو الاقتصاد الهندي نموذجا يحتذى به في الاقتصاد الدولي، ولكن على الرغم من هذا النمو الاقتصادي القوي، فإن الهند تواجه عديدا من التحديات الاقتصادية.
ويؤكد لـ"الاقتصادية"، راسل سنج الباحث في الاقتصاد الآسيوي في جامعة بروملي أن معدلات النمو المرتفعة في الهند وتحقيق التنمية وإتاحة مزيد من الفرص الجديدة أمام المواطنين، لم يكن متكافئا جغرافيا.
ويضيف "معدلات النمو الاقتصادي في الهند بلغت في بعض السنوات أكثر من 7 في المائة لتكون الأعلى في العالم وتتفوق بذلك على الصين، على الرغم من ذلك فان الهند تظل موطنا لربع فقراء العالم، و60 في المائة من سكان الريف يمكنهم فقط الوصول الى المرافق الصحية، ولا يزال هناك 364 مليون هندي يعانون حرمانا شديدا في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والتغذية والصرف الصحي، وربع الذين يعيشون في فقر مدقع في الهند دون سن العاشرة".
وفي الواقع، فإن معدلات النمو الاقتصادي في الهند الآن تعد الأبطأ منذ 11 عاما، فوفقا لأحدث البيانات الرسمية نما الاقتصاد الهندي في الربع الثالث من العام الماضي بنسبة لا تتجاوز 4.5 في المائة، وتلك أبطأ وتيرة نمو منذ خمسة أعوام وأبطأ كثيرا من 7 في المائة، التي حققها في الربع الثالث من 2018.
إلا أنه شهد تحسنا طفيفا في الربع الأخير من العام الماضي فحقق معدل نمو 4.7 في المائة، وعزز ذلك التوقعات الحكومية بأن النمو الاقتصادي قد يصل إلى 5 في المائة بنهاية العام المالي، الذي ينتهي في 31 مارس الجاري، منخفضا من 6.8 في المائة من 2018، ما يضع عديدا من الضغوط على الحكومة الراهنة، وتحديدا في كيفية توزيع الميزانية المقبلة.
إلا أن الدكتورة جين راند أستاذة التنمية الاقتصادية تدعو إلى التفرقة بين التحديات الآنية في الاقتصاد الهندي، والمشكلات طويلة الأمد، التي تمثل عقبة رئيسة تحول دون إطلاق الطاقات الاقتصادية الكامنة في المجتمع.
وتضيف لـ"الاقتصادية"، أن "الهند أحرزت تقدما في النمو الاقتصادي وخفضت معدلات التضخم من 10 في المائة 2010 إلى 3.44 في المائة العام الماضي، إلا أن بعض التحديات الكبيرة، التي يواجهها الاقتصاد تشمل ضعف الكتلة الاستثمارية للقطاع الخاص، ويعود ذلك جزئيا إلى الإجراءات النقدية، التي اتخذت 2016، وتحديدا الحملة المفاجئة بإلغاء العملة القديمة وإحلالها بعملة جديدة لقمع الأنشطة غير القانونية، وتلا ذلك إحداث إصلاح كبير في ضريبة المبيعات، ما أحدث تشويشا اقتصاديا، خاصة للشركات الصغيرة، وأسفر عن انخفاض النشاط التجاري والاستثماري، خاصة أن ذلك ترافق مع قرار حكومي بعدم زيادة الحد الأدنى للسعر، الذي يحصل عليه المزارعون، ما أثر في الدخول في المناطق الحضرية والريفية، وحد من القدرة الشرائية لكثير من المواطنين".
لكن جين تشير إلى أن تلك التحديات يمكن التغلب عليها عبر مجموعة من الإجراءات الحكومية التنظيمية، التي قد يتطلب تنفيذها بعض الوقت في ظل البيروقراطية المتأصلة في الجهاز الحكومي الهندي، وهي تعتقد أن تلك الإجراءات يمكن أن تحول دون وقوع الاقتصاد الهندي في دائرة الكساد أو الركود.
وتشير جين إلى مجموعة أخرى من التحديات الهيكلية، التي تعتقد أنها ستحدد مسار الاقتصاد الهندي على المدى الطويل، وأبرزها من وجهة نظرها هيمنة القطاع الزراعي على البنية الاقتصادية، والضغط السكاني الهائل، وترافق النمو الاقتصادي مع اتساع نطاق عدم المساواة في الدخل والثروة، فنحو 60 في المائة من السكان يتقاسمون ثلث الدخل القومي، بينما 5 في المائة من الأغنياء يتمتعون بالقدر نفسه من الدخل القومي.
وعلى رأس التحديات الاقتصادية، التي تواجهها الهند حاليا ومستقبلا البنية التحتية الضعيفة والمتهالكة، خاصة في المناطق الريفية، ومع إدراك الحكومة للتأثير السلبي لهذا في النمو الاقتصادي، تعهدت بزيادة الإنفاق على البنية الأساسية كجزء من حزمة من الإجراءات لتسريع النمو الاقتصادي.
إلا أن بعض الاقتصاديين يتخوفون من أن يؤدي هذا التوجه إلى زيادة الإنفاق الحكومي ومن ثم زيادة العجز المالي في الميزانية العامة، ويطرحون بدلا من ذلك مزيدا من المحفزات الاقتصادية للقطاع الخاص وللشركات الدولية للاستثمار في هذا المجال.
ويقول لـ"الاقتصادية"، باتريك كوكر الخبير الاستثماري إن "الاقتصاد الهندي حافظ على جاذبيته للاستثمارات الأجنبية المباشرة على الرغم من الصعوبات، التي يمر بها، ووفقا للتصريحات الرسمية حصلت نيودلهي على استثمار أجنبي بقيمة 27.2 مليار دولار في النصف الأول من 2019، وهناك تفاؤل بأن تسهم السياسات الليبرالية في تواصل التدفقات الاستثمارية الأجنبية هذا العام".
إلا أن الخبير كوكر يعد أن الهند اتخذت أخيرا خطوات لتحسين آفاق بيئة الأعمال للمستثمرين الأجانب عبر فتح مزيد من القنوات الاستثمارية في مجالات البنية التحتية، بالسماح بأن تصل نسبة الاستثمار في مجالات تعدين الفحم والبنية التحتية المرتبطة به 100 في المائة، مع ضرورة توسيع تلك الآفاق الاستثمارية بضم مزيد من القطاعات الأجنبية من جانب، وأن تتسم القوانين بدرجة أعلى من الاستقرار والثبات وعدم التعديل الدائم من جانب آخر، شرط أساسي لتفادي الإرباك، الذي حدث للمستثمرين الأجانب، والذي يدفعهم إلى الحد من رغبتهم الاستثمارية.
ومن الواضح حاليا أن تغيير القوانين الهندية، لتكون أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي بات قضية ملحة في ضوء تباطؤ النمو الاقتصادي، إذ لا تقف حدود تحرير الاستثمار الأجنبي المباشر عند المساهمة الفعلية في تحسين البنية التحتية، بل سيساعد الهند على زيادة حصتها من التجارة الدولية وزيادة العمالة وإيجاد فرص عمل لنحو عشرة ملايين شخص يدخلون سوق العمل سنويا، كما يضمن تنشيط الفاعلية الاقتصادية للمجتمع ككل.

إنشرها